تشـريب عراقـي … هاشم العقابي

cairo airportقبل أسابيع، وانا في الطائرة التي كانت تقلني من القاهرة الى عمّان جلس بجانبي مصري يقاربني بالعمر. كان يكثر البصبصة في الـ “آي باد” التي كنت اقرأ بها كتابا الكترونيا. تضايقت بعض الشيء فأطفأتها. ظل يحوص ويتنحنح مع حركات أخرى فسرتها انه يريد ان يستنطقني. ولما يئس مني فاجأني بالقول: بصراحة انا طلبت من موظفة الكاونتر ان تجلسني بجنبك. ليه؟ لأني كنت خلفك في الطابور وعرفت انك عراقي. لعب الفأر السومري بعبّي وقلت بقلبي: يا ساتر. بلساني قلت له حيّاك الله. ردّ بأنه يحب العراق أكثر من أي بلد في العالم بضمنها بلده. ليه؟ لأني عشت بها اكثر من عشرين عاما وتزوجت عراقية. هنا اطمأن قلبي فرحبت بنسيبنا ترحيبا ودودا. سألته: ما هو الشيء الذي اعجبك بالعراق اكثر من غيره؟ اجابني من دون تفكير او صفنة: انه التشريب!
اطنب بالتغزل في تشريبنا ورائحته المميزة واهمية “النومي بصرة” في عمله وكيف انه يسحره عصر النومية فوق الصحن الحار. كاد ان يبكيني من الحنين. وبدون سابق انذار قال لي: من غير مؤاخذه يا أستاز، ما تزعل مني لو قلت لك انتو العرائيين عباقرة في تبديد ثرواتكم. أتقصد النفط؟ كلا بل اقصد التشريب. ضحكت من كل قلبي وقلت له انها قفشة مصرية حلوة. رد علي بجدية: عفوا انا مبهزّرش انا بتكلم جد. شلون؟ انطلق بالجواب:
شوف يا استاز، إيطاليا كانت عندها “البيتزا” اكلة شعبية منتشرة في كل مكان، وممكن تسميها وجبة الفقراء. انتبه الايطاليون لذلك فسوقوها اكلة عالمية درّت عليهم أرباحا لا تعد. وانت تشوف بعينك ازاي “البيتزا” واخده عقول الشعوب كلها. والزبدة؟ طب انتو ليه ما تعملوش زي الايطاليين وتسوقوا اكلة التشريب للعالم وتربحوا منها بالهبل. هاي شلون؟
كلامه عاد بذاكرتي الى جلسة للتحاور بلندن ضمت مجموعة من الاسلاميين والعلمانيين قبل عقد من الزمن تقريبا. فكرة المصري ذاتها طرحها رجل دين، اظنه الشيخ محمد هويدي. الغريب اننا جميعا اعتبرناها مزحة واكتفينا بالضحك دون أن نعيرها أدنى اهتمام.
هبطت الطائرة وودعت محدثي المصري على امل اللقاء به في القاهرة. رميت حقائبي في الفندق واسرعت صوب مطعم عراقي قرب الساحة الهاشمية. لاحت لي على واجهة المطعم كارتونة خطّ عليها “لدينا تشريب عراقي”. وجدت هناك جمعا من السوريين والاردنيين والعراقيين نسوا همومهم وانشغلوا بأكل التشريب.
وكما تتوقعون طلبت تشريبا بلحمة زند. ولما جاءني به النادل العراقي، تناولت نومية البصرة التي كانت حارّة جدا وعصرتها عليه. أفيييييش.

أضف تعليقك