بين جنازتين … علي حسين

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 14 أبريل 2015 - 4:03 مساءً
بين جنازتين  … علي حسين

لا تصدقوا أن الحكومة مشغولة أصلا بالإبداع والثقافة، يكفينا إصرارها على أن تعتبر دعم الكتاب والمسرح والسينما نوعا من ” البطر”، ولا تصدقوا أننا في حكومة مدنية تسعى لإشاعة ثقافة التنوير والعدالة الاجتماعية والتسامح في الضد من ثقافة الكراهية والمحاصصة والطائفية المقيتة، بل نحن نعيش مرحلة التوازن حتى في اقامة مجالس العزاء ؟
بالامس وأنا أجلس امام شاشة التلفزيون اتابع التشييع الرمزي الذي اقامته دائرة السينما والمسرح للراحل الكبير خليل شوقي ، كنت أنظر في الوجوه القليلة التي حضرت التشييع ، لأبحث من بينها عن سياسيي الميكرفونات فلم أجد أحدا منهم. مثلما لم أجد أثرا لهم ، أنظر إلى وجوه المشيعين وأتذكر خطب الساسة الذين ارادوا ان يوهمونا بأنهم منشغلون بأحوال الثقافة والمثقفين ، وقد كنت مثل غيري من العراقيين ارى كيف تتقاطر الوفود السياسية والحزبية والعشائرية ، لو ان المتوفي ينتمي الى حزب سياسي ، او تربطه صلة قرابة باحدى الشخصيات النافذة، اما الصحف فان صفحاتها تمتلئ باعلانات التعزية ، والتأسي لهذا الفقدان الكبير، ونسمع عن أفواج الحمايات التي تقطع الطرق والجسور من اجل أن يحضر “معاليه” وفخامته الى مجلس عزاء لسياسي او رجل دين .
بالامس خرجت المستشارة الألمانية ميركل على الصحفيين دامعة العينين وهي تنعى رحيل الكاتب غونتر غراس معلنة ان المانيا اليوم تشعر بالحزن والاسى لهذا النبأ، فيما قررت الحكومة ان تنكس الاعلام على الدوائر الرسمية وعلى قبة البرلمان.
كنت أعتقد أن أقدام ساستنا ومسؤولينا وبصحبتهم عدد من “منتفعي” السياسة، ستحث الخطى لتشارك في تشييع واحد من ابرز معاني العراق، لنصدق انهم مشغولون حقا بالمبدعين، وانهم يؤمنون بأن بناء البلاد لا يتأتى من خطب وشعارات طائفية، وإنما من ثقافة وطنية ، كان خليل شوقي واحدا ممن رسخوا جذورها في العراق.. وانتظرت أن أقرأ في صحف الصباح، ان قادة البلاد اصروا على اقامة تشييع رسمي وشعبي يليق بمكانة هذا الفنان والمثقف الوطني في نفوس ووجدان العراقيين.
كان خليل شوقي مغرما بما يقدمه للناس ، يعتقد ان الفن والثقافة سيصنعان بلداً يكون ملكاً للجميع، و مجتمعاً امناً لا تقيد حركته خطب وشعارات ثورية، ولا يحرس استقراره ساسة يتربصون به كل ليلة… ديمقراطية، تنحاز للمواطن لا للطائفة، وتنحاز للبلاد لا للحزب والعشيرة. عاش خليل شوقي أسير أحلامه، متنقلا في المسرح والتلفزيون ، من ” النخلة والجيران ” الى “كان يا ما كان”، ومن “المدينة وذئابها” الى “الضامئون “، لينتهي غريبا يئن على بلاد تنكر أبناءها لانهم لايمارسون الخديعة، ولا يحملون صور قادة دول الجوار، ولا يهتفون في الساحات “بعد ما ننطيها”.
أكاد أسمع صوت خليل شوقي الآن يسخر من الرافضين لتكريمه ميتا، ويقول إن خطوات أقطعها في شوارع بغداد، أو لحظة فرح اقتنصها من على خشبة مسرح بغداد ، بألف جنازة مما تعدون لاصحابكم واحبابكم .

رابط مختصر