ضعف العراق قوة لإيران والعكس صحيح … جمال محمد تقي

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 13 أبريل 2015 - 2:05 مساءً
ضعف العراق قوة لإيران والعكس صحيح … جمال محمد تقي

مازال التفكير الامبراطوري يشغل بال أصحاب القرار في إيران، ويبدو أن هناك متلازمة بين بقاء هذا التفكير وبقاء إيران ذاتها، يمكننا أن نطلق عليه مجازا بـ»متلازمة طهران».
فإذا كان هنا وهناك شاه أو ملك، فان في طهران شهنشاه، ملك الملوك، وهو آريا مهر، أي ملك الآريين، التي تسمى إيران باسمهم، وهو أيضا بمعنى مدغم ملك الأسياد، لأن هناك فهما سابق للآريين على أنهم اسياد للارض، التي لا بد أن تكون الشعوب غير الآرية فيها عبيدا لهم، واذا كان هنا وهناك مرشدون أو مراجع وفقهاء، فان لدى إيران المرشد الاعلى، ومرجعية المراجع، وفيها فقيه الفقهاء الذي يعتبره البعض وكيلا للمهدي المنتظر.
على أرض الهضبة الإيرانية التي يشبهها القومانيون الفرس، بالمنبر الذي لا يعتليه إلا كل ذي حظوة وسطوة من المارين المستوطنين منهم، أو العابرين، حيث تتخلق صفاته الفريدة والمطلقة، لأسباب تتعلق بجغرافيا الارض وجغرافيا الإنسان، الذي ما أن صعد المنبر حتى تميز عن غيره على وجه البسيطة، منذ زرادشت مرورا بإسماعيل شاه الصفوي إلى شاه إيران إلى روح الله الخميني الى..
صحيح أن الفرس منذ أيام الاخميين وقوروش الكبير، الذين عادوا ليصعدوا المنبر ثانية، بعد أن ازاحهم عنه الاسكندر المقدوني، بسلالات جديدة تدعى الاشكانيين ومن بعدهم الساسانيين، أي منذ جيومرتهم ثم قمبيزهم واردشيرهم وقبادهم إلى يزدجرهم، قد وحدوا شعوبا تحت راية إيران الآرية، لكنهم عندما توحدوا عنوة تحت راية غير تلك الراية، راية الاسلام، عملوا على سحب البساط من تحت أصحاب تلك الراية، لغرض استعادة منبرهم التليد، وهذه المرة لحكم اصحاب الراية الاصليين انفسهم، أي التحول بالعلن من الراية الآرية إلى الراية الاسلامية، وفي الباطن التحول التدريجي للقبض على الراية ومن يتبعها بحكم آري يستخدم عالمية الراية الجديدة كايديولوجيا للامبراطورية المنتظرة، التي تحاكي العصر ومن المنبر الامبراطــــوري القديم الجديد نفسه. هذا ما يقف وراء لهاث دهاقنة فقــهاء إيران لاثبات نسب ابناء آل البيت إلى امهات فارسيات كحقيقة مطمورة، مقرونة بحقيقة افتراضية اخرى كون عليا «كرم الله وجهه» الذي يشبهوه برستم بطل الفرس، تصويرا وتأويلا، كان على خصومة مع عمر»رضي الله عنه» لانه قد اصر على اسقاط الامبراطورية الساسانية، ولانه كان قاسيا على الفرس في القادسية وما بعدها.
علي شريعتي «1933 ـ 1977» مفكر إيراني إسلامي تحرري ومناضل أصيل وصاحب رؤية متجاوزة، ينطبق عليه توصيف المثقف العضوي، يعتبر صاحب إرث فكري وفقهي نزيه، مهد ثقافيا وتعبويا لاشتعال الثورة الإيرانية التي صادرها اصحاب المنبر الامبراطوري، كثيرا ما نظر بكتبه ودراساته لنبذ التشيع الصفوي واستبداله بالتشيع العلوي، ونبذ التسنن الاموي واستبداله بالتسنن المحمدي، وكان متحمسا لنقد النزعة الشعوبية لدى اغلب فقهاء المذهب من اصحاب فكرة نسخ الاسلام باسلام يستبطن مصادرة فارسية ابتزازية لكل مكوناته، واجهه العصبويون بالتجاهل الظاهري، وبالعداء الدفين سرا، وعليه يشك البعض في أن تكون لـ»سافاك» شاه إيران يد في اغتياله.
العراق هو اول المتضررين من استمرار منوال هذا التفكير، الذي يحكم اصحاب القرار في إيران، اسقطوا بابل وتربصوا بأي دولة قوية في ارض الرافدين، حتى اقاموا عاصمتهم الشتوية في المدائن وسط العراق، جعلوا من عاصمة الخلافة العباسية بغداد ساحة مفتوحة لمؤامراتهم وميدانا لصراعاتهم مع الدولة العثمانية التي لها هي الاخرى حكاية مع الاسلام الامبراطوري، اقتطعوا الاحواز واغتالوا الشيخ خزعل الكعبي امير المحمرة وما حواليها، تآمروا على الجمهورية الاولى، جندوا بارزاني واتباعه لمقاتلة حكومة عبد الكريم قاسم، تمددوا على حساب الحدود العراقية في الشمال والجنوب، فبعد أن كانت حدود البصرة مثلا تمتد إلى عمق منطقة الاحواز العربية، أصبحت الان تحاصرها إيران بريا وبحريا ونهريا وحتى نفطيا، لقد قطعوا مياه الانهار الصابة في العراق، احتلوا المناطق الحدودية الغنية بالنفط، وصار شط العرب لا ينطق العربية.
في العصر الحديث كانوا يدعمون أي مخططات استعمارية للنيل من العراق، حتى الاحتلال الامريكي الاخير للعراق 2003 كان بعون ودعم منهم، متى ما كان الاستكبار العالمي يخدم اجندتهم الخفية فهم معه، وهكذا كانوا معه في احتلال افغانستان ايضا، وبالحقيقة أن شعارات العداء لامريكا واسرائيل انما هي بمقدار حماستهم لمشروعهم، اما الموقف الحقيقي عندهم فهو السعي لخلق توازن ضاغط على الاستكبار لتقبلهم كمستكبرين اقليميين، لهم حصة امبراطورية لا تنفي حصة الاسد التي يقلق بشأنها الاستكبار العالمي.تلاقح المشروعان الامريكي والإيراني في العراق، فانتج عراق اليوم، عراقا مشوها هشا قابلا للانقسام الفعلي والمعلن في أي لحظة. عراق مفاعل تموز وصاروخ عابد الفضائي والتأميم والخطط التنموية الاستراتيجية، التي وضعته في مقدمة الدول النامية، عراق تصاهرت، موضوعيا وذاتيا، فيه كل مكوناته الاثنية والدينية والمذهبية، عراق بجيش وطني يتغذى بتصنيعه العسكري ويتباهى بانتسابه للعراق اولا واخيرا، عراق علماني يفخر بقانون وطني تقدمي للمرأة والاحوال الشخصية، وقانون رائع للعمل والرواتب التقاعدية ومؤسسة عامة للتوظيف لا تمييز فيها بين زيد وعمر، عراق لا تنقطع فيه الكهرباء والماء، عراق إن قصف جسر أو محطة أو شارع فيه، يتم ترميمه ويرجع كما كان بعد ايام، عراق العصر الذهبي ما قبل الحصار الظالم والحرب المجرمة، لا تقوى إيران على تحمله.
إيران تتأبط شرا، فحالما وصل الخميني للسلطة كانت وجهته العراق، تصدير الثورة ركن من اركان تسكين المعارضة واسكاتها للابد في إيران، كانت رسالة الرد الخمينية على رسالة التهنئة التي بعث بها احمد حسن البكر، سلام على من اتبع الهدى، وبعدها بدأ العدوان الإيراني بارسال المجندين، وبقصف بعض المراكز الحدودية، لقد ايقن العراق ان الخميني سائر باتجاه التصعيد، فرد بقوة وكان ما كان من حرب الثماني سنوات، حتى تجرع الخميني السم وانصاع للامر الواقع، لكن إيران كانت تبيت شيئا آخر هو التــــوأمة مع المشروع الامريكي الاسرائيلي لاسقاط الدولة الوطنـــــية في العراق واقامة دولة اللادولة، دولة مسخ، دولة طوائف ومكونات متنـــازعة، سائرة نحو الانفكاك، بحيث يكون الجزء الشيعي منه تحت الوصاية الإيرانية والجزء الكردي تحت الوصاية الامريكية الاسرائيلية والجزء السني يروض حتى يتفكك إلى اجزاء يتبع بعضها لتركيا والاردن والاخر يتبع لدول الخليج. ضعف إيران وانشغالها بهمها الداخلي يمنح العراق فرصة للتخلص من تدخلاتها المعيقة للانطلاقة الوطنية العراقية.
قادة إيران يتبجحون بان بغداد اصبح عاصمة لامبراطوريتهم، وانهم يتحكمون الان بكل صغيرة وكبيرة في شؤونه الداخلية، وانهم هم من يختار حكامه، إيران نهبت مختبرات العراق واسرار تصنيعه العسكري ومشروعه الذري، إيران اغتالت اغلب طياري حرب الثماني سنوات وقادة وضباط الاركان وعلماء العراق. لإيران في العراق كتائب من فيلق القدس، اضافة إلى مريديها والخاضعين لها من ازلام الميليشيات الطائفية السائبة، التي تعد اليوم بالعشرات، حتى صار من غير المألوف ألا تجد لكل موكب أو حزب ميليشيته الخاصة، ويمكن لتلك الميليشيات أن تعتمد على التمويل الإيراني، اذا عجزت عن تمويل ذاتها من مال الدولة السائب، طبعا بعد أن تستقطع حصته من النفط العراقي المهرب، أو من التحويلات المليارية التي تغطى بفواتير الاستيراد الفضائي للاسلحة والغاز والكهرباء والبنزين من إيران.
ستدور الدوائر على إيران كما دارت على العراق، ولو بعد حين، حتى ذلك الوقت ستكون المقاومة والممانعة على الطريقة الوطنية العراقية، وليست طريقة اتباع إيران المنافقة، هي السلاح الاقوى للوقوف بوجه الهجمة الطائفية الجديدة التي تريد محاصرة كل الوطنيين من المؤمنين بالمشروع النهضوي والتحرري للعراق واقرانه، بثنائية بغيضة، هي إما الانخراط تحت جناح دواعش السنة أو دواعش الشيعة، نعم نحن لسنا مع الجناحين، نحن مع استعادة الاوطان كل الاوطان، بما فيها الاحواز العربية، من الروم والعجم.

٭ كاتب عراقي

رابط مختصر