إيران خسرت العرب ولم تربح الفرس! … رأي القدس

ali khamen2iأدّى التدخّل العسكري للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن إلى تموضعات سياسية وعسكرية عربية وعالمية ويمنية جديدة لم تكن متوقعة قبل بدء الحملة.
فعلى الصعيد العالمي استمعنا، مدهوشين، ولأول مرّة، لرئيس أمريكي يحثّ الدول العربية على المبادرة لحلّ مشاكلها الإقليمية (بما في ذلك «تكليف القوات البرية» على حد قول باراك أوباما)، من دون أن ينسى حثّها أيضاً على التعامل مع خطر أكبر من تهديد إيران، هو الشعوب العربية التي لا تجد مخارج سياسية مشروعة للمظالم التي تعاني منها.
الهجوم السعودي الذي تواقت تقريباً مع انعقاد القمّة العربية في شرم الشيخ، حظي، في التوّ والساعة، بتأييد عربيّ عامّ في البيان الختامي للقمة (مع رفض متوقّع من الوفد العراقي) كما أعلنت تركيّا وباكستان تأييدهما للعملية.
على الضفّة الأخرى فاجأ الهجوم «أنصار الله» الحوثيين وكذلك القوات الموالية للرئيس اليمني السابق علي صالح، كما فاجأ راعيهم الإقليمي إيران، التي سرعان ما حرّكت سفينتين حربيتين قريباً من ميناء عدن، وأخذت، بإطلاق تصريحات مزلزلة كان آخرها ما قاله قائد القوات البرية للجيش الإيراني العميد أحمد رضا بوردستان أمس الذي قال إن الجيش السعودي «سيمنى بهزيمة كبيرة»، مع تهديد مبطّن بنقل المعركة إلى داخل السعودية.
غير أن المفاجآت لم تنته هنا، فقد قرأنا وسمعنا بعد ذلك عن خلخلة في معسكر «التحالف» بين أجندتين، الأولى تريد استكمال معركة أخرى ذات طابع أيديولوجي ضد تيّارات الإسلام السياسي كافّة، دون تمييز بين «الإخوان المسلمين» وشقيقاتها، وتنظيم «الدولة الإسلامية» وتفرعاته، رغم ما أدّت إليه تلك المعركة من أضرار سياسية جسيمة في اليمن والعراق وسوريا وليبيا؛ والثانية هي المعركة مع إيران التي شارفت، عبر حلفائها، على محاصرة السعودية وجعلتها تحت مرمى صواريخ وطائرات الحوثيين، وأدخلت الشيعة اللبنانيين وحلفائهم في حرب ضد الشعب السوري، ودمّرت المدن والحواضن السنّية في العراق وسوريا، والتي يفترض أن تكون امتداداً اجتماعياً وجيوسياسياً لشعوب الخليج نحو المشرق العربي ومغربه.
وبعد ذلك جاءت تحرّكات إيران الدبلوماسية (وربما تهديداتها) باتجاه جارتها الحدودية باكستان، ثم زيارة الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان إلى طهران، لنسمع بعد ذلك معزوفة باكستانية تركيّة مشتركة حول «الدفاع» عن السعودية، وهو ما يفهم ضمناً كتعبير عن عدم الرغبة في (أو عدم القدرة على) المشاركة في تدخّل عسكريّ برّي في اليمن، وهو أمر حرم السعودية من جناحها الإسلامي الكبير غير العربيّ.
ومقابل الحياد العُماني المفهوم، تحرّكت الإمارات خطوة أوضح باتجاه الموقف السعودي، وتقاربت قطر مع الرياض أكثر، وسمعنا تأكيدات مصريّة عن التزامها بمصالح الأمن القومي العربي وعن مشاركتها في الحملة اليمنية، وكل ذلك يدفع نحو بلورة اتجاه عربي متصاعد للانخراط في أجندة الحرب ضد إيران، ما يستدعي تخفيض مرتبة أجندة الحرب الداخلية ضد تيارات «الإسلام السياسي».
تعطي الحرب اليمنية طابعاً قومياً للصراع بين العرب والحكومة الإيرانية، الأمر الذي يفسّر، ربّما، خطابات ايرانية عنصرية متصاعدة ضد العرب بل وضد الإسلام نفسه كونه لا يمكن فصله عن العروبة.
أدى الاستكبار الحوثيّ، المدعوم إيرانياً، إلى وصول الخطر المباشر إلى أراضي السعودية، فصار أي تأخير في معالجة النفوذ الإيراني في كل المنطقة العربية أمراً غير قابل للاحتمال، وهو أمر لقي شبيهه في موقف العالم مع المشروع النووي الإيراني، وبعطف الحدثين على بعضهما، أي إغلاق الملف النووي الإيراني، ومجابهة نفوذ طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تكون المنطقة قد انفتحت على إمكانيات كبرى جديدة.
بتمددها المحموم في المنطقة العربية وزرعها حروباً طائفية قاتلة، ومشروعها النووي الباهظ الثمن، أثقلت إيران ظهر الإيرانيين بالعقوبات والحصار وعزلتهم عن محيطهم العربيّ الواسع، كما قضت على طموحاتهم الديمقراطية وبذرت أموالهم على دعم أمثال الرئيس السوري بشار الأسد، وعلى المغامرات الحربية في المنطقة، وبذلك أضاع مشروع القوّة الإيرانية مشروع الحضارة الفارسية.
في المآل فقد قضت إيران، وهي الدولة الإسلامية الأقرب إلينا، اجتماعاً وثقافة وحضارة، على آمالها بإمكان تعاطف العرب مع مشروعها النووي (من باب التوازن مع عدونا الإسرائيلي على الأقل)، فخسرت جوارها الطبيعي ودمّرت مجالها الحيوي وأورثت العرب آلاماً وكوارث يحتاجون أجيالاً عديدة للخروج منها.

رأي القدس

أضف تعليقك